أحمد بن سهل البلخي

421

مصالح الأبدان والأنفس

والرّجلين ، حتى يبقى الإنسان جثّة مملوءة من الشراب ، لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر ولا يدبّر شيئا ولا يقدّره ، ولا يخاف ولا يهاب ، ولا يوجد عنده دفع ولا منع ولا إنصاف ولا انتصاف . وأمّا ما يتولّد عن الخمار فخبث النفس ، والرداءة ، وبلادة الفهم ، وكلال الحواسّ ، وفتور الشهوات ، وتنغيص اللّذات ؛ وكمود اللّون ، وذهاب إشراقه وبهائه ؛ حتى يتصوّر صاحبه بصورة من عملت فيه علّة منصبة « 1 » ! وأمّا ما يتولّد عن إدمان الشراب بالإسراف الذي هو فعل المستهتر به ، فبهذا التخلّف الموجود في قوى نفسه من الذهن والفهم والذكاء ، وفي قوى بدنه من ضعف الكبد / وسائر الآلات الغاذية ، وقلّة الغذاء ، وسوء الاستمراء وفتور الشهوة للطعام ، وسوء هضم ما يتناول منه ، واستحالة اللّون إلى التهيّج والكمود ، والرعشة المستولية على الأعصاب ، وتعطّل عامّة الجوارح ، والاندفاع بعد ذلك إلى الأمراض الصعبة المتلفة من السلّ والدّق « 2 » والاستسقاء وما أشبهها ، مع الاشتغال في هذه الحياة عن مصالح الدين والدنيا ، وقد علم أنّه ليس وراء ما وصفناه غاية في المضارّ النفسانيّة والجسدانيّة . 1 / 6 / 3 : القول في أنواع الشراب : أنواع الشراب في قوامها وطعومها وألوانها وروائحها تختلف بحسب جواهر الأعناب التي تتخذ منها ، وما ينالها بعد ذلك من كيفيّة الطبخ ؛ فيوجد بعضها أرقّ ، وبعضها أغلظ ، وبعضها أصلب ، وبعضها ألين ، وبعضها أحرّ ،

--> ( 1 ) نصبه المرض ينصبه : أوجعه ، كأنصبه ( القاموس المحيط ن ص ب 1 / 230 ) . ( 2 ) حمّى الدّق : هي حمى الأعضاء الأصلية ، يدق معها البدن ويذبل ( ابن الحشاء ، مفيد العلوم 39 ) . وهي حمى معاودة يوميّا ، وغالبا ما تصحب السل الحاد ( المعجم الوسيط د ق ق 1 / 291 ) .